🎉 عشرون عامًا من تعبير! ← اكتشف المزيد
رؤى / المدوّنة

قانون اللغة العربية الإماراتي ودروس رحلتنا

ما يرضينا أكثر من جني الأرباح..

قانون اللغة العربية الإماراتي ودروس رحلتنا
فدوى القاسم

فدوى القاسم

مؤسس مشارك والمستشار الإبداعي·01 سبتمبر 2026·12 دقيقة قراءة

 

ما يرضينا أكثر من جني الأرباح.. قانون اللغة العربية الإماراتي ودروس رحلتنا

 

يبدو لنا دوماً أن الغاية الوحيدة لتأسيس أي شركة هي التوسع وتحقيق الأرباح. لكنْ، ماذا لو اقترن هذا الهدف التجاري بالعمل من أجل قضية أسمى؟ قضية تتيح لك مكاسب معنوية ومادية على الأمد الطويل، وتمنحك رضاً يفوق بمراحل مجرد الأرقام والمكاسب المالية؟

نحن لا نتحدث هنا عن الممارسات التقليدية للمسؤولية المجتمعية للشركات CSR، ولا عن معايير الحوكمة والبيئة ESG؛ بل عن التزام أعمق بأسس الهوية. ولعلّ قرار وزارة الثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً بشأن صياغة تشريع لحماية اللغة العربية وتعزيز استخدامها، نموذجٌ حيٌّ لما نعنيه.

عندما أسسنا "تعبير" قبل نحو عشرين عاماً كأول وكالة متخصصة في بناء وتطوير المحتوى متعدد اللغات في الإمارات، كان دافعنا الأول هو إعادة الثقة باللغة العربية؛ لتمكينها من احتلال مكانتها اللائقة بين اللغات العالمية، عبر تقديم محتوى رفيع المستوى يعبّر عن الأفكار المعقدة بدقة ورشاقة، من دون أن يفقد روح الثقافة وأصالتها.

وظلت هذه الرسالة حاضرة في كل حواراتنا مع العملاء ووسائل الإعلام، وعلى منصات المنتديات وفي منشوراتنا. بل إن أهمية هذه الرسالة تضاعفت اليوم مع اندفاع المؤسسات نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج المحتوى وترجمته؛ إذ أدى الاعتماد الأعمى عليه إلى زلات وإخفاقات هددت سمعة علامات تجارية كبرى.

جاء الإعلان عن التشريع الجديد لحماية اللغة العربية والحفاظ على الهوية الوطنية كالغيث بعد جفاف، وتتويجاً لمسار بدأناه منذ عقدين؛ فما تسعى الدولة لتأطيره قانونياً اليوم، كان المبدأ الذي قامت عليه "تعبير" وعملت به منذ يومها الأول. وسواءٌ أأسهم صوتنا في بلورة هذه الخطوة أم لا، فإننا نراها تأكيداً على صحة الخيار الذي راهنّا عليه يوم كانت الساحة خاليةً تقريباً.

لقد علمتنا هذه التجربة أن الصبر إزاء شغفك استراتيجية عمل متكاملة. كما علمتنا حقيقة جوهرية أخرى: أنّ من الحيويّ تماماً أن تختار لشركتك موطناً تفهمه ويفهمك، تلتقي فيه الثقافة والتراث مع الحداثة والابتكار. لذا، فقد اخترنا الإمارات-  ودبي تحديداً – لتكون حاضنةً لرحلتنا.. أو ربما هي من اختارت أن تحتضننا.

 

درسان، من بين عشرين درساً اختزلت رحلتنا على مدار عشرين عاماً، ونشاركها معكم لعل في تفاصيلها ما يلهم مسيرتكم ويفيد أعمالكم.

 

عشرون عاماً، عشرون درساً

تعبير، كلمات تربط الثقافات

2006–2026

كان مشروعنا المؤسِّس معرضاً دائماً في ابن بطوطة مول في دبي؛ وهو مركز تجاريّ يحمل اسم الرحّالة العربي العظيم الذي أمضى عقوداً يجوب العالم ويستكشفه. قضينا أشهراً نعيش داخل رحلاته وفضوله المعرفيّ الذي لا يرتوي. وفي غمرة ذلك الانغماس، تحوّلت قناعاتنا الأوليّة إلى يقين راسخ بأنّ العمق الثقافي لن يكون مجرد سمة من سمات عملنا، بل سيكون الركيزة التي نستند عليها. ومنذ ذلك الحين بات هذا المبدأ حجر الزاوية في كل مشروع نتولّى تنفيذه.  

الدرس: لا تتردد في خوض غمار مشروع كبير يؤكد حدسك المهنيّ.

 

كنّا في 2006 ندرك تماماً ماهية تطوير المحتوى، وكنا على يقين باحتياج العالم العربي لهذا التخصص. لكن السوق في ذلك الوقت لم يكن مستعداً بعد لفكرة الاعتماد على فريق متفرغ من الكُتّاب المحترفين. فكانت المؤسسات لا تزال تلجأ لوكالات العلاقات العامة لكتابة نصوصها، ولشركات الإعلان لصياغة هويتها اللغوية، ولأي جهة متاحة لإنجاز بقية المهام. حينها جئنا بطرحٍ مختلف: فريقٌ من الكُتّاب في المقام الأول، يمتلكون عمقاً ثقافياً متأصلاً. وبدأنا العمل قبل أن يجد السوق مسمىً لما نفعله، وحينما نضج السوق، كنا نحن في كامل جاهزيتنا.

الدرس: الصبر هو أيضاً استراتيجية.

 

كانت العلامات التجارية العالمية في 2006 تخاطب الجمهور العربي بأسلوبٍ يُشعر المتلقي بأنه مجرد طرفٍ مستقبِل، وليس طرفاً في حوار. كانت تصل إلى منطقتنا بمحتوى مُعدٍّ خارج حدودها، ومُترجم في مراحل متأخرة، ومُوزّع من دون أي مواءمة ثقافية. كانت الفجوة بين وعود العلامة التجارية وحضورها الفعلي باللغة العربية واضحة، شعر بها الجمهور بالفعل، غالباً من دون أن تدرك الأسباب الكامنة وراء عدم وصول رسائلها بالشكل المطلوب. هنا أدركنا أن مهمتنا لا تقتصر على سد هذه الفجوة فحسب، بل بضرورة تسليط الضوء عليها أولاً.

الدرس: أهم ما تفعله أحياناً هو مساعدة الآخرين على فهم طبيعة مشاكلهم.

 

كانت دبي المكان الأمثل للبدء. ففي تلك السنوات المبكرة، كانت دبي تمثل وجهة العالم؛ حيث تمركزت مقرات الشركات المتعددة جنسيات، وبدأت العلامات التجارية العالمية بدخول السوق العربيّة للمرة الأولى، ومؤسسات تسعى من مختلف القارات لفهم منطقة كانت بالنسبة لها لا تزال في طور الاكتشاف. لم نكن مجرد مراقبين، بل كنا حاضرين في قلب هذا الحراك بوصفنا جزءاً من هذا النسيج؛ نعيش تفاصيله، ونتنفس واقعة، ونعدّه وطناً لنا. هذا الشعور بالانتماء منحنا ميزةً لا يتيحها القرب الجغرافي وحده: القدرة على رؤية كلا جانبي أي حوار ثقافي، في آنٍ واحد.

الدرس: مكان تأسيس أعمالك ليس قراراً ثانوياً؛ اختر بيئةً تفهم تفاصيلها من الداخل.

 

كانت نصيحة كل مستشار أعمال التقيناه ثابتة: حددوا تخصصكم الدقيق، التزموا بمسار واحد، وارفضوا كل ما لا يتناسب مع طبيعة أعمالكم. لكن إجابتنا كانت مختلفة. قبلنا العمل في مجالات متنوعة؛ بدءاً من أبحاث السياسات العامة والمحتوى العلمي، وصولاً إلى التدريب الإعلامي، ونصوص المعارض، وحتى الكتب التي تحتفي بالبطء وبفن الحياة الهادئة. بنينا نموذج عملٍ قادراً على التعامل مع مختلف التحديات من دون التفريط بالجودة. فلكل موضوع متخصص، كنا نحدد الخبير المناسب؛ شخصٌ يمتلك من العمق المعرفي بالموضوع ما يضاهي تمكنه من اللغة.

الدرس: تخصصك قد لا يكون موضوعاً تختاره؛ بل معياراً تلتزم به.

 

واصلنا عملنا خلال الأزمة المالية، وخلال أحداث الربيع العربي، ورغم جائحة كورونا. بل وصلناه أثناء نزاعات اقتربت منا جغرافياً وشخصياً. وفي كل مرة، كان السؤال واحداً: هل نتوارى أم نواصل الحضور؟ تعلمنا أن الانسحاب بحد ذاته رسالة سلبية. وأن الحضور المسؤول، بصدق وحذر، ومن دون ادعاء بأن كل شيء على ما يرام، يتطلب تفكيراً ومهارة وشجاعة تفوق ما تطلبَه أي عمل فعلناه في سنوات الاستقرار.

الدرس: التواجد في الزمن الصعب هو أهم ما يمكنك تقديمه.

 

وراء تأسيس تعبير يقف في المقام الأول كتّابٌ، وأدباءٌ، وإعلاميون، وشعراء، ومحررون، وخبراء في مجالاتهم، ممن منحوا مشاريع عملائهم حصيلة تجاربهم الحياتية، وسنوات من القراءة في لغات وتخصصات متعددة، وعاشوا ضمن بيئات مختلفة وثقافات متنوعة. وجدنا أن كثيراً من أصحاب كفاءات الكتابة بالعربية أشخاص يعيشون في المهجر، بعيداً عن أوطانهم الأصلية؛ ربما لأنّ النزوح يضفي على اللغة دقة وحذراً في التعامل معها. لقد وجدنا أفضل كفاءاتنا في أماكن غير متوقعة، وتعلمنا أن نبحث هناك بوعي وقصد وإصرار.

الدرس: عندما يكون تخصصك "معيار جودة تلتزم به" لا "موضوعاً" محدداً، فإن الكفاءات القادرة على تحقيقه قد تأتي من أماكن بعيدة.

 

كان بقاؤنا كشركة صغيرة خياراً استراتيجياً. طالما طُرح علينا السؤال: لماذا لا نتوسع؟ ولماذا لا نملك مكاتب في كل مكان؟ الجواب هو أن الجودة كانت دائماً منتجنا الأساسي، والجودة لا تتوسع بتوسع أعداد الموظفين. نحن "بوتيك" باختيارنا؛ وكل مشروع نعمل عليه يحظى باهتمام مباشر من كبار خبرائنا، وكل زبون من زبائننا يتعامل مباشرة مع من أسسوا هذه المؤسسة. البقاء بحجم صغير ليس تقييداً للنمو، بل موقف، وتموضع استراتيجي.

الدرس: العمق والانتشار اتجاهان متناقضان؛ اختر أحدهما وأتقنه.

 

دافعنا لسنوات عن اللغة العربية باستخدام اللغة الإنجليزية أمام عملاء، وصناع قرار، ومجالس إدارة. الأشخاص الذين كانوا بحاجة ماسة لفهم قيمة المحتوى العربي غالباً لم يكونوا ممن يقرؤونه. لذا، أصبحنا "مترجمين" من نوع آخر؛ لا نترجم الكلمات، بل نترجم الحجة ذاتها. ثمة مفارقة في هذا الأمر بتنا نقدرها اليوم: اللغة التي كانت بحاجة إلى من يدافع عنها لم تكن قادرة على تدافع عن نفسها داخل تلك الغرف، فكان لزاماً على الإنجليزية أن تحمل الحجة أولاً، وبمجرد وصولها، أكملت العربية المهمة.

الدرس: دفاعك عن اللغة، أو أي قضية أخرى، قد لا يتم بالضرورة بذات اللغة. ففي بعض الأحيان يمكنك إيصال رسالتك بفعالية أكثر بأسلوب أو لغة من تخاطبه.

 

اللغة العربية لغة أم لما يقارب 400 مليون نسمة في 22 دولة، يفهمها المتعلمون في أنحاء العالم العربي وخارجه بصورتها المعاصرة الفصيحة. هذا نطاق انتشار هائل، وضمنه تختلف المفردات؛ فالمصطلح الذي يبدو طبيعياً في الرياض، قد يبدو غير ملائم في بيروت. وعبارة مناسبة في أبوظبي، قد لا تُستقبل بالقبول نفسه في الرباط. لكل دولة ومؤسسة وجمهور ذائقتهم الخاصة وعلاقتهم باللغة. ولهذا تعلمنا منذ البداية أن نبني مع كل عميل مسرداً للمصطلحات من الصفر، لا كقائمة عامة، بل كوثيقة حية متجددة.

الدرس: استثمر الوقت في بناء الأدوات التأسيسية في مرحلة مبكرة؛ فهي التي ستنقل عملك إلى آفاق لم تتوقعها.

 

حين وصلت أدوات إنتاج المحتوى المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، طرحنا على أنفسنا سؤالاً صريحاً: هل سيغيّر هذا التطوّر جوهرَ ما نفعله؟ كنا من أوائل من اختبر هذه الأدوات في المنطقة العربية، ونظمنا ورشات عمل مبكّرة لاستكشاف آفاقها، وأدمجناها حيث كان ذلك منطقياً. وجدنا الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج محتوى دقيق من الناحية التقنية، غير أن النبرة، السجل اللغوي، واللهجة، والإيقاع كانت جميعها منحرفة قليلاً، بطريقة يشعر بها أبناء اللغة لكنهم لا يستطيعون دائماً تسميتها. في الواقع، فقد استطاع هذا الفارق الدقيق أن يخبرنا حقاً عن جوهر ما نفعله، أكثر مما أخبرتنا به عشرون سنة من المهام الإبداعية. أمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تدعم عملنا، لكنها دافعت عن قيمة الذكاء الثقافي البشري خيراً مما استطعنا نحن أنفسنا.

الدرس: اصقل مهاراتك، وطوّر قدراتك، وتكيّف مع الجديد، لكن لا تهادن في معاييرك. فالأدوات لا تغيّر جوهر متطلبات العمل المتقن.

 

علمتنا عشرون عاماً من المهام الإبداعية حقيقة واحدة حول "عثرات الإبداع": لا يوجد شيء اسمه مشكلة بلا حل، بل هناك فقط مشكلة لم تجد لغتها بعد. حملة ترويجية لم تتحرك قيد أنملة حتى استعرنا كلمة من ثقافة أخرى، وتقرير لم ينبض بالحياة إلا حين أعدنا صياغة هيكله بالكامل، ورسالة ظلت عالقة لشهور حتى حررتها استعارة بلاغية من حيث لا نتوقع. لذا توقفنا عن التعامل مع الإبداع كرفاهية تأتي بعد إنجاز "العمل الحقيقي"؛ فقد كان الإبداع، وما يزال، هو العمل الحقيقي ذاته.

الدرس: الإبداع ليس زخرفةً وزينة. هو حل للمشكلات بأدوات أفضل. حين تتلعثم الحلول المنطقية، ثق بالإجابة غير المتوقعة.

 

ثمّة أوقات، وهذه إحداها، شعرنا فيها أن العمل يبدو ضئيلاً جداً أمام ما يحدث حولنا. لكننا تعلمنا أن الأمر ليس كذلك. فنحن جزء من هذه المنطقة؛ بكل ما فيها. الخليج الذي بنانا، والشام التي صقلت لغتنا، والعالم العربي الأوسع الذي قضينا عشرين عاماً نحاول سرد قصصه بعناية. خساراته هي خساراتنا، ولغته هي لغتنا. إن بعض ما حدث في السنوات الأخيرة لا تسعفه كلمات ملائمة، ونحن نكسب عيشنا من العمل بالكلمات. هذا العجز عن التعبير شيءٌ نحمله معنا في عملنا كل يوم؛ وهو ما يجعلنا أكثر حرصاً، وأكثر يقيناً بأن اللغة، حين تُستخدم بصدق، ليست شيئاً هيناً أبداً.

الدرس: الكلمة الصادقة ليست شيئاً يسيراً أبداً. لا سيما حين تكون هي كلّ ما تبقّى لنا.

 

يبدأ كل مشروع بموجز تعريفي، أو ملخّص بالمهام. ودائماً ما يكون هذا الموجز ناقصاً. في الغالب لأن العملاء لا يعرفون دائماً ما لا يعرفونه بعد. تعلّمنا مبكراً الإصغاء إلى ما بين السطور. أن نسمع ما لم يُقَل بوضوح يضاهي سماعنا لما قيل. أفضل ما أنجزناه جاء من المحادثات التي دارت بعد أن نحّينا الموجز جانباً. وتحديداً في تلك اللحظة التي يقول فيها أحدهم: "في الحقيقة، ما نحاول فعله هو...". تلك عندها فقط تصبح الأمور مثيرة للاهتمام. تعلّمنا كيف نترقب تلك اللحظة، كيف ننصت إليها. وتعلّمنا أيضاً كيف نصنعها.

الدرس: ملخّص المهام ليس كلّ الحكاية.

 

صممنا مكاتبنا على غرار صالون منزليّ؛ أرائك مريحة، كتب في كل زاوية، مساحة يمكن للحوار فيه أن يمضي إلى وجهات غير متوقعة. مقرّنا في تعبير لا يشبه أي مكتب تقليديّ في شيء، وكان ذلك مقصوداً تماماً. فعلنا ذلك لإيماننا بأن أفضل الأفكار لا تولد في غرف الاجتماعات الرسمية، بل في اللحظة التي يشعر فيها المرء بأريحيّة قول الشيء الذي لم يكن متأكداً إن كان مسموحاً له بقوله. لاحظ عملاؤنا ذلك، وبدأ بعضهم يخوضون نقاشات تختلف تماماً عن تلك التي جاؤوا من أجلها.. وهذا هو الهدف المقصود دائماً.

الدرس: لا يبوح الناس بشيء مهمّ إلا حين يشعرون بالارتياح. لذا، فإنّ كل ما تصمّمه، بيئة عملك وأسلوبك وأسئلتك، ينبغي أن يساعدك في العبور إلى تلك اللحظة.

 

شهدنا كيف أنّ بعض عملائنا الدوليين يفسرون عبارة "إن شاء الله" على أنها رفض مهذب. هي ليست كذلك. بل إنها إقرار بمحدوديّة اليقين البشري في مواجهة ما هو أكبر وأقوى منّا. إن فهم ذلك حقيقةً، وليس مجرد إدراكه معرفياً، يغير طريقتك في إدارة اجتماعاتك، وتحديد مواعيدك النهائية، وبناء علاقاتك. لقد علمتنا عشرون سنة من العمل العابر للثقافات أن الوقت ليس مفهوماً عالمياً موحداً؛ وأن علاقة الثقافة مع الوقت تنبئك بما لا يخبرك به أي شيء آخر عن طريقة تواصلها، وما تقدّره من قيم، وما تتوقعه ممّن يعملون معها.

الدرس: لا تتسرّع في تفسير ما تراه. اختبره أولاً في سياق الثقافة التي نبع منها. فالفجوة في التفسير هي ذاتها المعلومة التي تبحث عنها.

 

عملاؤنا الأكثر تطلباً هم من جعلونا أفضل. أولئك الذين كانوا يحضرون كل جلسة محملين بالأسئلة، ويفكرون بعمق في كل كلمة، ويستثمرون في النتيجة بقدر ما نستثمر نحن. لم نكن دائماً نستمتع بتلك "المقاومة"، لكننا كنا دائماً ممتنين لها فيما بعد. لكأنّ أفضل العلاقات الإبداعية هي تلك التي يتخللها نوع من الاحتكاك. ليس صراعاً على الإطلاق، بل نوع من المشقّة المثمرة، يضعك فيها شخص يكترث بما يكفي ليدفعك نحو الأفضل. ذلك أنّ العميل الذي يقبل كل شيء ليس عميلاً سهلاً، بل هو فرصة ضائعة.

الدرس: المقاومة هدية؛ فالعميل الذي يناقشك ويدفعك للمراجعة يعلّمك أكثر بكثير من ذلك الذي يوافقك الرأي دائماً.

 

استغرق الأمر منا وقتاً أطول مما ينبغي لنجد الكلمات المناسبة لوصف طبيعة عملنا. وصفنا أنفسنا بلغة السوق بدلاً من لغة قناعاتنا الخاصة. خففنا من حدة طروحاتنا، وحشرنا أنفسنا في قوالب لم تكن تناسبنا تماماً. وفي نهاية المطاف، أدركنا أن تحديد التموضع ليس منعزلاً عن العمل نفسه، بل هو أول نص يتعين أن تكتبه عن نفسك. فالطريقة التي تسمي بها ما تفعله تشكّل ما يعتقد الناس أنك قادر على إنجازه. لذلك بتنا نختار تلك الكلمات الآن بعناية أكبر.

الدرس: اللغة التي تستخدمها للحديث عن عملك لا تقل أهمية عن العمل نفسه.

 

الثقة في هذه المنطقة من العالم لا تُمنح بالمجان، بل تتراكم ببطء؛ عبر الاستمرارية والاتساق، ومن خلال الحضور حين يكون الغياب أسهل، وعبر التصريح بالقول الصعب عندما يكون الصمت أكثر راحة. لقد عملنا مع بعض العملاء لمدة خمسة عشر عاماً. إن امتداد هذه العلاقة ليس مجرد "ولاء"، بل هو نتاج ثقة بُنيت بعناية على مر السنين، اُختبرت في بعض الأحيان، لكن لم نعتبرها يوماً تحصيل حاصل. لقد تعلّمنا أن أسرع طريقة لخسارة الثقة هي التعامل معها كشيء مكتسب مضمون. الثقة تُعاش دائماً بصيغة المضارع.

الدرس: الثقة تُكتسب ببطء وتُفقد بسرعة. تعامل معها كبنيانٍ تشيده كل يوم.

 

بعد عشرين عاماً، أصبحنا نعرف أكثر مما كنا نعرفه في البداية، لكننا صرنا أيضاً أكثر وعياً بحجم ما لا نعلمه. تلك الفجوة، بدلاً من أن تكون مصدر قلق وإرباك، تمثل الحيّز الذي يولد فيه العمل الأكثر متعة وإثارة. كنا في السابق ننشد اليقين؛ خارطة واضحة، وأسلوباً مجرباً، وصيغة تنجح في كل مرة. لكن ما اكتشفناه هو أن المؤسسات والأفراد الذين يحافظون على فضولهم يعمرون أطول ويدوم أثرهم، لا أولئك الذين يتوقفون عن طرح الأسئلة. فاليقين هو مقتل الفضول. وبعد عشرين عاماً، نحن اليوم أكثر فضولاً من أي وقت مضى.. فالطريق يزداد إثارة وتشويقاً، وما زلنا نمضي فيه.

الدرس: حافظ على فضولك؛ فبمجرد أن تظن أنك فهمت كل شيء، وأنك امتلكت الإجابة، تكون قد توقفت عن النمو.

 

شارك هذا المقال على منصّة التواصل الاجتماعي المفضّلة لديك