من دبي إلى العالم: عشرون عاماً من العطاء اللغوي والتجسير الثقافي

من دبي إلى العالم: عشرون عاماً من العطاء اللغوي والتجسير الثقافي

ماهر الجنيدي

ماهر الجنيدي

10 مارس 2026

عندما انطلقت "تعبير" في رحلتها قبل عقدين من الزمن، لم يكن بوسعنا أن نستشرف تماماً اتساع المسار الذي ينتظرنا. وعلى غرار الرحّالة الأسطوري ابن بطوطة، الذي جاب أرجاء العالم المعروف في عصره، امتد مسارنا نحن أيضاً إلى ما وراء آفاقنا الأولى، وراح يصل بين ثقافات ولغات عبر القارات. واليوم، ونحن نحتفي بمرور عشرين عاماً على تأسيس "تعبير" رسمياً، نستعيد رحلة بدأت برؤية واحدة واضحة، وتحوّلت إلى رسالة عالمية.

كانت خطواتنا الأولى مشفوعة بإدراك عميق لحاجة ملحّة: الارتقاء بصناعة المحتوى العربي المميّز. ففي تلك السنوات المبكرة، كان مشهد التواصل بالعربية يتسم كثيراً بالترجمات حرفية، وبذهنية تعجز عن تكييف المفاهيم الإنجليزية لتلائم السياق المحلي. وكان ذلك يفضي في كثير من الأحيان إلى محتوى يفتقر إلى الدقة الثقافية والحمولة الدلالية، ومن ثم إلى التأثير. من هنا وُلدت "تعبير"، بدافع شغف باللغة والتزام راسخ بالتعبير الأصيل. وكنا الروّاد، أول وكالة تُسجَّل لدى دائرة الاقتصاد في دبي كمطوّر محتوى متخصص، في شهادة مبكرة على عزمنا الإسهام في تشكيل هذا الحقل الحيوي.

وكأنما شاءت الأقدار أن يكون المشروع الذي أطلق "تعبير" فعلياً في العام 2003، وجعل كل شيء ممكناً، هو معرض دائم في «ابن بطوطة مول» الشهير. كان ذلك المشروع، المشبع بروح الاكتشاف والتبادل الثقافي، بمثابة انطلاقة رمزية لرحلتنا الخاصة. هناك، وسط عمارة تحتفي بأسفار العالم، ترسّخ هدف "تعبير": وصل السرديات وتعزيز الفهم. كلمات تربط الثقافات!

ومن تلك التجربة التأسيسية، أخذ عملنا يشق طريقه خارج الحدود. خبرتنا، القائمة على محتوى ذكي ثقافياً وخدمات لغوية دقيقة، وجدت صداها أولاً داخل الإمارات: من دبي إلى الشارقة، فأبوظبي، فالفجيرة. ومع كل تجربة جديدة، تعمّق فهمنا للفوارق الدقيقة في السياقات المحلية، وتعزز التزامنا بتقديم تواصل يخاطب جمهوره بحق. لم يكن هذا النمو الإقليمي مجرد توسع في الخدمات، بل امتداداً عضوياً لفلسفتنا الجوهرية، وإثباتاً على أن المحتوى الأصيل يتجاوز الحدود الجغرافية.

وسرعان ما امتدت رحلتنا أبعد من ذلك. عبرنا الحدود إلى سلطنة عُمان ودولة قطر والمملكة العربية السعودية، حاملين مقاربتنا الخاصة إلى جمهور أوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. سبقتنا سمعتنا في الدقة، والحساسية الثقافية، والقدرة على إحداث أثر، ففتحت لنا أبواب شراكات جديدة وتحديات أكثر تعقيداً. وتعلّمنا الإبحار في بيئات تنظيمية وثقافية متنوعة، واضعين دوماً نصب أعيننا تمكين أصوات عملائنا.

غير أن العالم كان ينادينا أبعد من الشرق الأوسط. مدفوعين بالحاجة العالمية إلى تواصل واضح وملائم ثقافياً، بدأ عملنا يعبر المحيطات. من مكاتبنا، تعاونّا في مشاريع امتدت إلى قلب أوروبا، مع شركاء يسعون إلى مخاطبة الأسواق الناطقة بالعربية بصدق وبصيرة. ثم امتد أثرنا إلى عواصم نابضة مثل نيويورك وطوكيو وشنغهاي وهونغ كونغ. تلك الشواطئ البعيدة، التي كانت يوماً مجرد نقاط على خريطة، تحولت إلى مراكز حيوية برهنت فيها خبرة "تعبير" في ردم الفجوات الثقافية عن قيمتها الحقيقية.

لم يكن هذا الحضور العالمي، شأنه شأن أسفار ابن بطوطة الواسعة، سعياً إلى توسع بقدر ما كان سعياً إلى اتصال. كان بحثاً عن الفهم، والتكيّف، وضمان أن الرسائل- سواء أصدرت عن مؤسسات أكاديمية، أو هيئات بحثية، أو حملات تسويقية، أو مبادرات ثقافية- تصل عميقةً وصادقةً. لقد كانت عقودنا العشرون تجربة تعلم مستمرة، ودليلاً على قوة البصيرة الإنسانية حين تقترن بإتقان لغوي رفيع.

واليوم، ونحن نحتفي بهذه المحطة المفصلية، نفعل ذلك بامتنان بالغ لعملائنا وشركائنا الذين ائتمنونا على سرديّاتهم. إن مسيرة تعبير، من مشروع محوري في مركز تجاري يحمل اسم رحّالة عظيم، إلى وكالة ذات حضور عالمي، هي قصة التزام لا يتزعزع بالوعي الثقافي. ونتطلع إلى الفصل التالي، نواصل فيه استكشاف اللغة والثقافة، ونساعدكم على الإبحار في السردية العالمية المتجددة لسنوات مقبلة.

شارك هذا المقال على منصّة التواصل الاجتماعي المفضّلة لديك