كيف تحيي الترجمة الأدب.. وهو رميم

التصنيف 1,

أحبّ الترجمة. وأحد أسباب حبي الترجمة، هو أنها ميدان نابض حقّاً، ومجال حيوي يخضع لتطور مستمر. يعتقد البعض أحياناً أن الترجمة من لغة إلى أخرى هي فقط وضع الكلمة المناسبة والصحيحة والمتوفرة في القاموس مقابل الكلمة الأصل؛ أضف بعض التعديلات المناسبة من قواعد ونحو، وانتهى الأمر. ولكن كما سبق أن كتبت هنا، فهذا أبعد ما يكون من الحقيقة.
عندما يحصل المترجم على نص ما، سواء أكان إعلاناً لآلة حلاقة من جيليت ذات سبع شفرات (أو أياً كان عدد الشفرات هذه الأيام)، أو روايةً قديمةً كتبها صاحبها من قرون مضت، فإن بصمة المترجم الخاصة، وخبرته وتحيزاته، تنطبع على نصّه.
لا توجد عملية نقل كاملة لنص من لغة إلى أخرى. هذا أمر مستحيل. هناك دائماً أسلوب تعبير يحتاج إلى تعديل، وهناك دائماً تدفق وانسجام موسيقي بحاجة إلى تغيير. حتى لو كان المترجم ينقل روح النص نقلاً رائعاً، فإن هذه الروح قابلة للتفسير وستولد من جديد في جسد مختلف، إن جاز التعبير. ويخضع هذا التفسير لمختلف العصور واللغات والقدرات ونوايا المترجمين.
كانت هذه الحقيقة تدور في بالي حين قرأت عن ترجمة جديدة للأدويسة، الملحمة الكلاسيكية اليونانية القديمة، والتي نشرت باللغة الإنجليزية هذا الشهر. ما الذي يميز هذه الترجمة؟ إنها أول ترجمة إنجليزية للنص تنفّذها امرأة هي إميلي ويلسون، الأستاذة البريطانية في جامعة بنسلفانيا. ومثلي كمثل الكثيرين من عشاق مزيج الخيال الرائع في الأوديسة، والذي يمتزج بالدراما والمغامرة الرائعة، تساءلت: لماذا سبّب إقدام امرأة على ترجمة قصيدة موجودة منذ آلاف السنين كل هذه الضجة؟
تبين إن هناك فرقاً كبيراً. ففي صحيفة نيويورك تايمز، تتحدث ويلسون عن تحديات ترجمة النصوص اليونانية القديمة: “حقيقة أنه يمكن ترجمة النص نفسه مئات المرات، وأن يكون بالإمكان الدفاع عن كل ترجمة بطرائق مختلفة تماماً.. حقيقة ذات دلالة”.
ولربما كانت لا نهائية الترجمة، في نهاية المطاف، نعمة ولعنة على حد سواء. فكيف نعرف أي ترجمة نختار؟ إنها مسألة رأي وتركيز:
تترجم ويلسون الأوديسة إلى لغة إنجليزية معاصرة. فعلى سبيل المثال، “غنّي لي عن الرجل، أيها الملهمة” أصبحت: “أخبريني عن رجل معقّد”. قرار واعٍ لتجريد الأوديسة من شباك الأكاديمية صعبة الاختراق، بحيث تتحدث القصة ببساطة إلى قرّاء يومنا هذا. وفي أمكان أخرى من النص، تسلط ويلسون الضوء على بعض الشخصيات بوصفهنّ أمات، كما كنّ فعلاً، بدلاً من توصيفهن كوصيفات أو خادمات في نصوص أخرى.
كما تولي ويلسون اهتماماً خاصاً بالشخصيات المهملة. أديسوس، ملك إيثاكا، هو بطل الرواية التي سميت الملحمة باسمه، وتركّز الملحمة في جلّها عليه، وعلى فريقه من الذكور، وعلى العديد من الآلهة الذكور. ولكن هناك أيضاً شخصيات نسائية: زوجته بينيلوبي، التي انتظرت عودته من الحرب بصبر لمدة 20 عاماً، وآلهات أثينا، وسيرس، وكاليبسو … وغيرهن. وفي حين تناولت إصدارات أخرى تلك الشخصيات الأنثوية بطريقة معينة، بوصفهنّ نساء في مجتمع أبوي ذكوري، فإن ويلسون تسلط الضوء على رغباتهن ودوافعهن انطلاقاً من مفهوم حديث.
هذا الإصدار الأخير من الأوديسة هو تذكير للدور المهم الذي يجب أن يضطلع به المترجم. فالترجمة، في الواقع، أقرب إلى إبداع جديد، خلق جديد قائم بحد ذاته، مبني على نص أصل ولأنه ليس مجرد نسخة عنه. وبذلك يصبح نصاً يناهز عمره 3000 سنة نصاً حياً، ويرزق.

عن الكاتب
علي العمد

علي العمد محرر موقع MoviePulse.me علي العمد صحافي ينشر كتاباتهRead More

  • I love the way this blog was presented, so clear and efficient