“سوريا” (بالألف) أم “سوريه” (بالهاء)؟

Uncategorized

في القرن التاسع عشر، دخلت مصر وسوريا ما نسمّيه بعصر النهضة. وكانت من سمات هذه “النهضة” بناء
قواعد اقتصادية وصناعية وقومية وإعلامية وفنية وعلمية في كلا القطرين.
ولقد استدعى التأسيس للعلوم والآداب إلى الالتفات للغتنا العربية ومحاولة تجديدها، بعد أن تراجع “لسان الضاد” طوال عهد المماليك والأتراك، وصار حال لغتنا يصعب على العدوّ قبل الصديق.

في هذه الفترة قام بعض المبدعين النابهين من أبناء بجدتنا بمحاولات أدبية جديدة في مصر وبلاد الشام والمهاجر الأوروبية والأمريكية، أدّت إلى بثّ الحياة من جديد في جسد لغتنا الذي كاد يشرف على الموت. فلمعت اسماء “الشدياق” و”اليازجيين” و”جرجي زيدان” و”الرابطة القلمية” و”جماعة الديوان” و”أبولو” قبل أن يضاف إلى كل هؤلاء “أحمد حسين هيكل” و”لطفي السيد” و”طه حسين” و”العقاد” وصولاً إلى “توفيق الحكيم” و”نجيب محفوظ” وغيرهم العديد من الأسماء الكبيرة التي ما زالت مصنفاتها الأدبية تملأ علينا دنيانا حتى اليوم.

في غمرة هذا النشاط الثقافي كله، لعب بعض رجال الدين المسيحيين دوراً بارزاً توّجه الآباء اليسوعيون في لبنان بتاسيس “الجامعة اليسوعية” (القديس يوسف) ثم إصدار “مجلة المشرق” في أوائل القرن العشرين. ولقد لمع من بين هؤلاء الآباء المعتنين بالتراث اللغوي العربي كثيرون، أبرزهم “لويس شيخو اليسوعي” صاحب مجلة المشرق بالإضافة إلى كتب عديدة شهيرة مثل “مجاني الأدب” و”النصرانية وأدباؤها” إلخ.

في تلك الفترة أيضاً، لمع نجم “الأب أنستاس ماري الكرملي” في العراق. وراح بدوره يصدر مجلة قيّمة جداً أسمها “لغة العرب”، ضمّنها ، بالإضافة إلى العناية بشؤون بلده العراق، الكثير من أبحاثه اللغوية وأبحاث معاصريه اللسانية، حتّى صارت مجلته تنافس – بجدراة – جميع المطبوعات القيّمة الأخرى التي كانت تصدر في مصر ولبنان مثل المقتطف والهلال والمشرق وغيرها.

قبل قليل، ومن خلال مراجعتي لأحد أعداد “مجلة لغة العرب” وقعت على بحث لغويّ أثار انتباهي يخصّ اسم “سوريا”. فلقد درج “الأب أنستاس” على كتابة “سورية” بالهاء فبرز له مثقف لبناني اسمه “جبر ضومط” وأرسل للمجلّة بحثاً لغوياً شيقاً يؤسس لكتابة “سوريا” بالألف، مصنفاً “الهاء” في آخر الإسم بأنها “محيّرة” وأننا نستطيع استبدالها بالألف لأنها اسم أعجمي لقفناه عن “الآرامية” التي تكتبه “بالألف”، فيما أخذنا الكتابة “بالهاء”، حسب زعم صاحب المقال، عن “اليهود” و”العبرانية”.

ما أعجبني في المقال، فضلاً عن قيمته اللغوية، هو موقف الأب “أنستاس ماري الكرملي” منه. فلقد قابل هذا الأخير الرأي المخالف لرأيه بكل أريحية ورحابة صدر دون أن يتبنّاه. إذ ترك المجال مفتوحاً أمام من يريد كتابة إسم “سوريا” كي يختار بين “الألف والهاء”، مشيراً إلى أنّ الكتابة “بالهاء” اقرب إلى “لغة العرب” دون أن يبخس “الألف” حقها من الصحّة.

مع هذه الكلمات، صورة تتضمن فقرة تلخيصية في آخر بحث الأستاذ “جبر ضومط” عن كيفية كتابة إسم “سوريا”، وفي الحاشية تعليق الأب “أنستاس” على هذه الرأي.

ونهاركن سعيد …..

عن الكاتب
الياس رفيق خوري

كاتب ومدوّن وحقوقي فلسطيني مقيم في سويسرا

Editing: /home2/z3r8t7c4/public_html/wp-content/themes/tabeer/comments.php Encoding: Re-open Use Code Editor Close Save Changes

سجل ردك

لن ننشر عنوانك الإلكتروني.الحقول اللازمة معلمة بعلامة *